عبد الرحمن بدوي

251

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

الأولى فهي بعينها القوة التي لا نهاية لها . وكذلك لا نقول إن لها حياة وعلما ، بل هي الحياة وهي العلم وهي الخير المحض وهي النور الأضوى . وأما الهوية الثانية المبدعة فإنها غير متناهية . وكل قوة وحدانية فهي أكثر لا نهائية من القوة المتكثرة ، لأنّ اللا نهاية الأولى ، وهي العقل ، قريبة من الواحد المحض . فإن القوة إذا أخذت بتكثير أخذت وحدانيتها تهلك . فإذا هلكت فقدت اللا نهاية . وإنما فقدت اللا نهاية من أجل تجزيها . والأشياء كلها ذوات هويات من أجل الهوية الأولى . والأشياء الحيّة كلها متحركة بذاتها من أجل الحياة الأولى . والأشياء العقلية كلها ذوات علم من أجل العقل الأوّل . والهويّة الأولى ساكنة ، وهي علّة العقل وتعطى الأشياء كلّها [ 143 ] هوياتها ولكن بنوع إبداع . فأما الحياة الأولى فإنما تعطى ما تحتها الحياة لا بنوع إبداع بل بنوع صورة . وكذا العقل يعطى ما تحته العلم بنوع صورة لا بنوع إبداع ، لأن الإبداع إنما هو للعلّة الأولى وحدها . والعلّة الأولى تدبّر الأشياء المبدعة من غير أن تختلط بها . وذلك أن التدبير لا يضعف وحدانيتها العالية على كل شئ ولا يوهنها . والخير المحض يفيض الخيرات على الأشياء كلها فيضا واحدا . إلّا أن كل واحد من الأشياء يقبل من ذلك الفيض على نحو قوّته وآنيته . وكل فاعل يفعل بآنيته فقط ، فليس بينه وبين مفعوله وصلة ولا شئ آخر متوسط مثل آلة أو صفة زائدة . ( فإن ) كانت الوصلة بين الفاعل والمفعول بصفة زائدة على الآنية كان الفاعل مباينا لفعله ، ولا يدبّر مفعوله تدبيرا مستقصى . فإذا لم يكن بين الفاعل وفعله وصلة ، فذلك الفاعل فاعل حق ومدبّر حق ، يفعل الأشياء بغاية الإحكام والاتقان ، ويدبّر الأشياء تدبيرا لا اختلاف فيه ولا اعوجاج يعتريه . * * * العقل الأول فوق كل اسم يسمى به وفوق التمام : فإن التمام هو المكتفى بنفسه ، ولكن لا يكتفى على إبداع شئ آخر ولا أن يفيض عنه شئ آخر ، فلذلك قلنا إنّه فوق التمام لأنه يبدع الأشياء التامّة لأنه خير لا نهاية له ولا نفاد . ويملأ العوالم كلها خيرا بحسب المراتب والاستحقاق .